فصل: فصـــل في كون الأنبياء أفضل من الأولياء

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ابن تيمية **


/ فصـــل

وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء، وقد رتب الله عباده السعداء المنعم عليهم ‏[‏أربع مراتب‏]‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 69‏]‏‏.‏

وفي الحديث‏:‏ ‏(‏ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبى بكر‏)‏ وأفضل الأمم أمة محمد صلى الله علية وسلم‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏110‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏32 ‏]‏، وقال النبي صلى الله علية وسلم في الحديث الذي في المسند‏:‏ ‏(‏أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله‏)‏‏.‏

وأفضل أمة محمد صلى الله علية وسلم القرن الأول ‏.‏

وقد ثبت عن النبي صلى الله علية وسلم من غير وجه أنه قال‏:‏ ‏(‏خير القرون القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم‏)‏ وهذا ثابت في الصحيحين من غير وجه‏)‏‏.‏

وفي الصحيحين أيضًا عنه صلى الله علية وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحدٍ ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه‏)‏‏.‏

والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل من سائر الصحابة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏10‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏100‏]‏ والسابقون الأولون الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والمراد بالفتح صلح الحديبية فإنه كان أول فتح مكة، وفيه أنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 1، 2‏]‏، فقالوا‏:‏ يا رسول الله، أو فتح هو ‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏‏.‏

وأفضل السابقين الأولين ‏[‏الخلفاء الأربعة‏]‏ وأفضلهم أبو بكر ثم عمر، وهذا هو المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الأمة وجماهيرها، وقد دلت على ذلك دلائل بسطناها في ‏[‏منهاج/ أهل السنة النبوية، في نقض كلام أهل الشيعة والقدرية‏]‏‏.‏

وبالجملة، اتفقت طوائف السنة والشيعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها واحد من الخلفاء، ولا يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة، وأفضل أولياء الله تعالى أعظمهم معرفة بما جاء به الرسول صلى الله علية وسلم واتباعًا له كالصحابة الذين هم أكمل الأمة في معرفة دينه واتباعه، وأبو بكر الصديق أكمل معرفة بما جاء به وعملًا به، فهو أفضل أولياء الله إذ كانت أمة محمد صلى الله علية وسلم أفضل الأمم، وأفضلها أصحاب محمد صلى الله علية وسلم، وأفضلهم أبو بكر ـ رضي الله عنه‏.‏

وقد ظن طائفة غالطة أن ‏[‏خاتم الأولياء‏]‏ أفضل الأولياء قياسًا على خاتم الأنبياء، ولم يتكلم أحد من المشايخ المتقدمين بخاتم الأولياء إلا محمد بن على الحكيم الترمذى، فإنه صنف مصنفًا غلط فيه في مواضع، ثم صار طائفة من المتأخرين يزعم كل واحد منهم أنه خاتم الأولياء، ومنهم من يدعى أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من جهة العلم بالله، وأن الأنبياء يستفيدون العلم بالله من جهته كما يزعم ذلك ابن عربى صاحب ‏[‏كتاب الفتوحات المكية‏]‏ و ‏[‏كتاب الفصوص‏]‏ فخالف الشرع والعقل مع مخالفة جميع أنبياء الله تعالى وأوليائه، كما يقال لمن قال‏:‏ فخر عليهم السقف من تحتهم لا عقل ولا قرآن‏.‏

/ذلك أن الأنبياء أفضل في الزمان من أولياء هذه الأمة، والأنبياء ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ أفضل من الأولياء فكيف الأنبياء كلهم ‏؟‏ والأولياء إنما يستفيدون معرفة الله ممن يأتى بعدهم ويدعى أنه خاتم الأولياء ‏؟‏‏!‏ وليس آخر الأولياء أفضلهم، كما أن آخر الأنبياء أفضلهم، فإن فضل محمد صلى الله علية وسلم ثبت بالنصوص الدالة على ذلك‏.‏ كقوله صلى الله علية وسلم‏:‏ ‏(‏أنا سيد ولد آدم ولا فخر‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏آتى باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن‏:‏ من أنت‏؟‏ فأقول‏:‏ ‏(‏محمد‏)‏، فيقول‏:‏ بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك‏)‏‏.‏

و‏[‏ليلة المعراج‏]‏ رفع الله درجته فوق الأنبياء كلهم فكان أحقهم بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ‏}‏‏[‏البقرة‏:‏ 253‏]‏، إلى غير ذلك من الدلائل، كل منهم يأتيه الوحي من الله، لا سيما محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن في نبوته محتاجًا إلى غيره، فلم تحتج شريعته إلى سابق ولا إلى لاحق، بخلاف المسيح أحالهم في أكثر الشريعة على التوراة، وجاء المسيح فكملها، ولهذا كان النصارى محتاجين إلى النبوات المتقدمة على المسيح؛ كالتوراة والزبور، وتمام الأربع وعشرين نبوة، وكان الأمم قبلنا محتاجين إلى محدثين، بخلاف أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله أغناهم به فلم يحتاجوا معه إلى نبي ولا إلى محدَّث، بل جمع له من الفضائل والمعارف/ والأعمال الصالحة ما فرقه في غيره من الأنبياء، فكان ما فضله الله به من الله بما أنزله إليه وأرسله إليه لا بتوسط بشر‏.‏

وهذا بخلاف ‏[‏الأولياء‏]‏ فإن كل من بلغه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لا يكون وليًا لله إلا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بتوسط محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون وليًا لله إلا إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسل إليه‏.‏

ومن ادعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من له طريق إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد فهذا كافر ملحد، وإذا قال‏:‏ أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة؛ فهو شر من اليهود والنصارى الذين قالوا‏:‏ إن محمدًا رسول إلى الأميين دون أهل الكتاب، فإن أولئك آمنوا ببعض وكفروا ببعض فكانوا كفارًا بذلك، وكذلك هذا الذي يقول‏:‏ إن محمدًا بعث بعلم الظاهر دون علم الباطن، آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر ، وهو أكفر من أولئك؛ لأن علم الباطن الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها هو علم بحقائق الإيمان الباطنة، وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة‏.‏

/فإذا ادعى المدعي أن محمدًا صلى الله عليه وسلم إنما علم هذه الأمور الظاهرة دون حقائق الإيمان، وأنه لا يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسنة، فقد ادعى أن بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول دون البعض الآخر، وهذا شر ممن يقول‏:‏ أومن ببعض، وأكفر ببعض، ولا يدعي أن هذا البعض الذي آمن به أدنى القسمين‏.‏

وهؤلاء الملاحدة يدعون أن ‏[‏الولاية‏]‏ أفضل من ‏[‏النبوة‏]‏ ويلبسون على الناس فيقولون‏:‏ ولايته أفضل من نبوته وينشدون‏:‏

مقام النبوة في برزخ ** فويق الرسول ودون الولي

ويقولون‏:‏ نحن شاركناه في ولايته التي هي أعظم من رسالته، وهذا من أعظم ضلالهم، فإن ولاية محمد لم يماثله فيها أحد لا إبراهيم ولا موسى، فضلا عن أن يماثله هؤلاء الملحدون‏.‏

وكل رسول نبي ولي، فالرسول نبي ولي‏.‏ ورسالته متضمنة لنبوته، ونبوته متضمنة لولايته، وإذا قدروا مجرد إنباء الله إياه بدون ولايته لله فهذا تقدير ممتنع، فإنه حال إنبائه إياه ممتنع أن يكون إلا وليًا لله، ولا تكون مجردة عن ولايته، ولو قدرت مجردة لم يكن أحد مماثلا للرسول في ولايته‏.‏

/وهؤلاء قد يقولون ـ كما يقول صاحب ‏[‏الفصوص‏]‏ ابن عربي ـ ‏:‏ إنهم يأخذون من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول؛ وذلك أنهم اعتقدوا ‏[‏عقيدة المتفلسفة‏]‏ ثم أخرجوها في قالب ‏[‏المكاشفة‏]‏، وذلك أن المتفلسفة الذين قالوا‏:‏ إن الأفلاك قديمة أزلية لها علة تتشبه بها، كما يقوله أرسطو وأتباعه؛ أو لها موجب بذاته كما يقوله متأخروهم‏:‏ كابن سينا وأمثاله، ولا يقولون‏:‏ إنها لرب خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ولا خلق الأشياء بمشيئته وقدرته، ولا يعلم الجزئيات؛ بل إما أن ينكروا علمه مطلقًا، كقول أرسطو، أو يقولوا‏:‏ إنما يعلم في الأمور المتغيرة كلياتها كما يقوله ابن سينا، وحقيقة هذا القول إنكار علمه بها، فإن كل موجود في الخارج فهو معين جزئي‏:‏ الأفلاك كل معين منها جزئي، وكذلك جميع الأعيان وصفاتها وأفعالها، فمن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئًا من الموجودات، والكليات إنما توجد كليات في الأذهان لا في الأعيان‏.‏

والكلام على هؤلاء مبسوط في موضع آخر في ‏[‏درء تعارض العقل والنقل‏]‏ وغيره‏.‏

فإن كفر هؤلاء أعظم من كفر اليهود والنصارى، بل ومشركي العرب، فإن جميع هؤلاء يقولون‏:‏ إن الله خلق السموات والأرض، وأنه خلق المخلوقات بمشيئته وقدرته، وأرسطو ونحوه من المتفلسفة/ واليونان كانوا يعبدون الكواكب والأصنام، وهم لا يعرفون الملائكة والأنبياء، وليس في كتب أرسطو ذكر شيء من ذلك، وإنما غالب علوم القوم الأمور الطبيعية، وأما الأمور الإلهية فكل منهم فيها قليل الصواب، كثير الخطأ، واليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل أعلم بالإلهيات منهم بكثير، ولكن متأخروهم كابن سينا أرادوا أن يلفقوا بين كلام أولئك وبين ما جاءت به الرسل، فأخذوا أشياء من أصول الجهمية والمعتزلة، وركبوا مذهبًا قد يعتزى إليه متفلسفة أهل الملل؛ وفيه من الفساد والتناقض ما قد نبهنا على بعضه في غير هذا الموضع‏.‏

وهؤلاء لما رأوا أمر الرسل كموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم قد بهر العالم، واعترفوا بأن الناموس الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم أعظم ناموس طرق العالم، ووجدوا الأنبياء قد ذكروا الملائكة والجن‏.‏ أرادوا أن يجمعوا بين ذلك وبين أقوال سلفهم اليونان الذين هم أبعد الخلق عن معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأولئك قد أثبتوا عقولًا عشرة يسمونها ‏[‏المجردات‏]‏ و‏[‏المفارقات‏]‏‏.‏ وأصل ذلك مأخوذ من مفارقة النفس للبدن، وسموا تلك ‏[‏المفارقات‏]‏ لمفارقتها المادة وتجردها عنها، وأثبتوا الأفلاك لكل فلك نفسًا، وأكثرهم جعلوها أعراضًا، وبعضهم جعلها جواهر‏.‏

وهذه ‏[‏المجردات‏]‏ التي أثبتوها ترجع عند التحقيق إلى أمور/ موجودة في الأذهان لا في الأعيان، كما أثبت أصحاب أفلاطون ‏[‏الأمثال الأفلاطونية المجردة‏]‏ أثبتوا هيولي مجردة عن الصورة، ومدة وخلاء مجردين‏.‏ وقد اعترف حذاقهم بأن ذلك إنما يتحقق في الأذهان لا في الأعيان، فلما أراد هؤلاء المتأخرون منهم كابن سينا أن يثبت أمر النبوات على أصولهم الفاسدة، وزعموا أن النبوة لها خصائص ثلاثة من اتصف بها فهو نبي‏:‏

الأول‏:‏ أن تكون له قوة علمية يسمونها القوة القدسية ينال بها من العلم بلا تعلم‏.‏

الثاني‏:‏ أن يكون له قوة تخيلية تخيل له ما يعقل في نفسه بحيث يرى في نفسه صورًا أو يسمع في نفسه أصواتًا كما يراه النائم ويسمعه ولا يكون لها وجود في الخارج، وزعموا أن تلك الصور هي ملائكة الله وتلك الأصوات هي كلام الله تعالى‏.‏

الثالث‏:‏ أن يكون له قوة فعالة يؤثر بها في هيولي العالم وجعلوا معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء وخوارق السحرة، هي قوى النفس، فأقروا من ذلك بما يوافق أصولهم من قلب العصا حية، دون انشقاق القمر ونحو ذلك، فإنهم ينكرون وجود هذا‏.‏

/وقد بسطنا الكلام على هؤلاء في مواضع، وبينا أن كلامهم هذا أفسد الكلام، وإن هذا الذي جعلوه من الخصائص يحصل ما هو أعظم منه لآحاد العامة ولأتباع الأنبياء، وإن الملائكة التي أخبرت بها الرسل أحياء ناطقون أعظم مخلوقات الله وهم كثيرون، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 31‏]‏، وليسوا عشرة، وليسوا أعراضًا، لا سيما وهؤلاء يزعمون أن الصادر الأول هو ‏[‏العقل الأول‏]‏، وعنه صدر كل ما دونه، و‏[‏العقل الفعال العاشر‏]‏ رب كل ما تحت فلك القمر‏.‏

وهذا كله يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل، فليس أحد من الملائكة مبدع لكل ما سوى الله‏.‏ وهؤلاء يزعمون أنه العقل المذكور في حديث يروى‏:‏ ‏(‏أن أول ما خلق الله العقل، فقال له‏:‏ أقبل فأقبل، فقال له‏:‏ أدبر، فأدبر، فقال‏:‏ وعزتي ما خلقت خلقًا أكرم علي منك، فبك آخذ وبك أعطي، ولك الثواب وعليك العقاب‏)‏‏.‏ ويسمونه أيضًا ‏[‏القلم‏]‏ لما روى‏:‏ ‏(‏إن أول ما خلق الله القلم‏)‏ الحديث رواه الترمذي‏.‏

والحديث الذي ذكروه في العقل كذب موضوع عند أهل المعرفة بالحديث، كما ذكر ذلك أبو حاتم البستي والدارقطني وابن الجوزي وغيرهم، وليس في شيء من دواوين الحديث التي يعتمد عليها، ومع /هذا فلفظه لو كان ثابتًا حجة عليهم، فإن لفظه‏:‏ ‏(‏أول ما خلق الله تعالى العقل قال له‏)‏ ويروي ‏:‏ ‏(‏لما خلق الله العقل قال له‏)‏ فمعنى الحديث‏:‏ أنه خاطبه في أول أوقات خلقه، ليس معناه أنه أول المخلوقات و ‏[‏أول‏]‏ منصوب على الظرف كما في اللفظ الآخر ‏[‏لما‏]‏ وتمام الحديث‏:‏ ‏(‏ما خلقت خلقًا أكرم علي منك‏)‏ فهذا يقتضي أنه خلق قبله غيره، ثم قال‏:‏ ‏(‏فبك آخذ، وبك أعطي، ولك الثواب، وعليك العقاب‏)‏ فذكر أربعة أنواع من الأعراض، وعندهم أن جميع جواهر العالم العلوي والسفلي صدر عن ذلك العقل‏.‏ فأين هذا من هذا ‏؟‏‏!‏

وسبب غلطهم أن لفظ ‏[‏العقل‏]‏ في لغة المسلمين ليس هو لفظ العقل في لغة هؤلاء اليونان، فإن ‏[‏العقل‏]‏ في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلًا، كما في القرآن‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 12‏]‏، ‏{‏أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا‏}‏‏[‏الحج‏:‏ 46‏]‏ ويراد ‏[‏بالعقل‏]‏ الغريزة التي جعلها الله تعالى في الإنسان يعقل بها‏.‏

وأما أولئك فـ ‏[‏العقل‏]‏ عندهم جوهر قائم بنفسه كالعاقل، وليس هذا مطابقًا للغة الرسل والقرآن‏.‏ وعالم الخلق عندهم كما يذكره أبو حامد عالم الأجسام العقل والنفوس فيسميها عالم الأمر، وقد يسمى ‏[‏العقل‏]‏ عالم الجبروت و‏[‏النفوس‏]‏ عالم الملكوت؛ و‏[‏الأجسام‏]‏ /عالم الملك، ويظن من لم يعرف لغة الرسل ولم يعرف معنى الكتاب والسنة أن ما في الكتاب والسنة من ذكر الملك والملكوت والجبروت موافق لهذا، وليس الأمر كذلك‏.‏

وهؤلاء يلبسون على المسلمين تلبيسًا كثيرًا، كإطلاقهم أن ‏[‏الفلك‏]‏ محدث‏:‏ أي معلول مع أنه قديم عندهم، والمحدث لا يكون إلا مسبوقًا بالعدم، ليس في لغة العرب ولا في لغة أحد أنه يسمى القديم الأزلي محدثًا، والله قد أخبر أنه خالق كل شيء، وكل مخلوق فهو محدث، وكل محدث كائن بعد أن لم يكن، لكن ناظرهم أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة مناظرة قاصرة لم يعرفوا بها ما أخبرت به الرسل، ولا أحكموا فيها قضايا العقول، فلا للإسلام نصروا، ولا للأعداء كسروا، وشاركوا أولئك في بعض قضاياهم الفاسدة، ونازعهم في بعض المعقولات الصحيحة، فصار قصور هؤلاء في العلوم السمعية والعقلية من أسباب قوة ضلال أولئك، كما قد بسط في غير هذا الموضع‏.‏

وهؤلاء المتفلسفة قد يجعلون ‏[‏جبريل‏]‏ هو الخيال الذي يتشكل في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، والخيال تابع للعقل، فجاء الملاحدة الذين شاركوا هؤلاء الملاحدة المتفلسفة وزعموا أنهم ‏[‏أولياء الله‏]‏، وأن أولياء الله أفضل من أنبياء الله، وأنهم يأخذون عن الله بلا واسطة كابن عربي صاحب ‏[‏الفتوحات‏]‏ و‏[‏الفصوص‏]‏، فقال‏:‏ / إنه يأخذ من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول، و ‏[‏المعدن‏]‏ عنده هو العقل و ‏[‏الملك‏]‏ هو الخيال، و‏[‏الخيال‏]‏ تابع للعقل، وهو بزعمه يأخذ عن الذي هو أصل الخيال والرسول يأخذ عن الخيال، فلهذا صار عند نفسه فوق النبي ولو كان خاصة النبي ما ذكروه لم يكن هو من جنسه، فضلا عن أن يكون فوقه، فكيف وما ذكروه يحصل لآحاد المؤمنين‏؟‏‏!‏ والنبوة أمر وراء ذلك، فإن ابن عربي وأمثاله وإن ادعوا أنهم من الصوفية، فهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة، ليسوا من صوفية أهل العلم، فضلا عن أن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب والسنة‏:‏ كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي، والجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وأمثالهم ـ رضوان الله عليهم أجمعين‏.‏

والله ـ سبحانه وتعالى ـ قد وصف الملائكة في كتابه بصفات تباين قول هؤلاء كقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 26‏:‏ 29‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 26‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 22، 23‏]‏، وقال تعالى ‏:‏ ‏{‏وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ‏يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 19، 20‏]‏‏.‏

وقد أخبر أن الملائكة جاءت لإبراهيم عليه السلام في صورة البشر، وأن الملك تمثل لمريم بشرًا سويًا، وكان جبريل ـ عليه السلام ـ يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي، وفي صورة أعرابي، ويراهم الناس كذلك‏.‏

وقد وصف الله تعالى جبريل ـ عليه السلام ـ بأنه ذو قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رآه بالأفق المبين، ووصفه بأنه ‏{‏عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُنَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى‏}‏ ‏[‏النجم ‏:‏ 5-18‏]‏‏.‏

/وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏أنه لم ير جبريل في صورته التي خلق عليها غير مرتين‏)‏ يعني المرة الأولى بالأفق الأعلى، والنزلة الأخرى عند سدرة المنتهى، ووصف جبريل ـ عليه السلام ـ في موضع آخر بأنه الروح الأمين، وأنه روح القدس، إلى غير ذلك من الصفات التي تبين أنه من أعظم مخلوقات الله تعالى الأحياء العقلاء، وأنه جوهر قائم بنفسه، ليس خيالا في نفس النبي كما زعم هؤلاء الملاحدة المتفلسفة، والمدعون ولاية الله، وأنهم أعلم من الأنبياء‏.‏

وغاية حقيقة هؤلاء إنكار ‏[‏أصول الإيمان‏]‏ بأن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وحقيقة أمرهم جحد الخالق، فإنهم جعلوا وجود المخلوق هو وجود الخالق، وقالوا‏:‏ الوجود واحد، ولم يميزوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع، فإن الموجودات تشترك في مسمى الوجود، كما تشترك الأناسي في مسمى الإنسان، والحيوانات في مسمى الحيوان، ولكن هذا المشترك الكلي لا يكون مشتركًا كليًا إلا في الذهن، وإلا فالحيوانية القائمة بهذا الإنسان ليست هي الحيوانية القائمة بالفَرَس، ووجود السموات ليس هو بعينه وجود الإنسان، فوجود الخالق جل جلاله ليس هو كوجود مخلوقاته‏.‏

وحقيقة قولهم قول فرعون الذي عطل الصانع، فإنه لم يكن/ منكرًا هذا الوجود المشهود، لكن زعم أنه موجود بنفسه، لا صانع له، وهؤلاء وافقوه في ذلك، لكن زعموا بأنه هو الله، فكانوا أضل منه وإن كان قوله هذا هو أظهر فسادًا منهم، و لهذا جعلوا عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله، وقالوا‏:‏ ‏(‏لما كان فرعون في منصب التحكم صاحب السيف وإن جار في العرف الناموسي، كذلك قال‏:‏ أنا ربكم الأعلى ـ أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ما، فأنا الأعلى منكم بما أعطيته في الظاهر من الحكم فيكم‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ ‏(‏ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله أقروا له بذلك وقالوا‏:‏ ‏{‏فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 72‏]‏، قالوا‏:‏ فصح قول فرعون‏:‏ ‏{‏أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 24‏]‏ وكان فرعون عين الحق‏)‏ ثم أنكروا حقيقة اليوم الآخر، فجعلوا أهل النار يتنعمون كما يتنعم أهل الجنة، فصاروا كافرين بالله واليوم الآخر وبملائكته وكتبه ورسله مع دعواهم أنهم خلاصة خاصة الخاصة من أهل ولاية الله، وأنهم أفضل من الأنبياء، وأن الأنبياء إنما يعرفون الله من مشكاتهم‏.‏

وليس هذا موضع بسط إلحاد هؤلاء؛ ولكن لما كان الكلام في ‏[‏أولياء الله‏]‏ والفرق بين ‏[‏أولياء الرحمن وأولياء الشيطان‏]‏ وكان هؤلاء من أعظم الناس ادعاءً لولاية الله، وهم من أعظم الناس ولاية للشيطان، نبهنا على ذلك‏.‏ ولهذا عامة كلامهم إنما هو في الحالات /الشيطانية، ويقولون ما قاله صاحب الفتوحات‏:‏ ‏[‏باب أرض الحقيقة‏]‏ ويقولون‏:‏ هي أرض الخيال‏.‏ فتعرف بأن الحقيقة التي يتكلم فيها هي خيال، ومحل تصرف الشيطان، فإن الشيطان يخيل للإنسان الأمور بخلاف ما هي عليه، قال تعالى ‏:‏ ‏{‏وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 36‏:‏ 39‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا‏}‏إلى قوله‏:‏ ‏{‏يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 116‏:‏ 120‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ

فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 22 ‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 48‏]‏‏.‏

وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏أنه رأى جبريل يزع الملائكة‏)‏ والشياطين إذا رأت ملائكة الله التي يؤيد بها عباده هربت منهم، والله يؤيد عباده المؤمنين بملائكته‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 12‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 9‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ

اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 40‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِين بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران ‏:‏ 124، 125‏]‏ ‏.‏

وهؤلاء تأتيهم أرواح تخاطبهم وتتمثل لهم، وهي جن وشياطين فيظنونها ملائكة، كالأرواح التي تخاطب من يعبد الكواكب والأصنام، وكان من أول ما ظهر من هؤلاء في الإسلام ‏:‏ المختار بن أبي عبيد الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏سيكون في ثقيف كذاب ومُبير‏)‏ وكان الكذاب‏:‏ المختار بن أبي عبيد، والمبير‏:‏ الحجاج بن يوسف‏.‏ فقيل لابن عمر وابن عباس‏:‏ إن المختار يزعم أنه ينزل إليه، فقالا‏:‏ صدق، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 221، 222‏]‏‏.‏ وقال الآخر‏:‏ وقيل له‏:‏ إن /المختار يزعم أنه يوحى إليه، فقال‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنعام ‏:‏ 121‏]‏‏.‏

وهذه الأرواح الشيطانية هي الروح الذي يزعم صاحب ‏[‏الفتوحات‏]‏ أنه ألقى إليه ذلك الكتاب، ولهذا يذكر أنواعًا من الخلوات بطعام معين وشيء معين، وهذه مما تفتح لصاحبها اتصالا بالجن والشياطين، فيظنون ذلك من كرامات الأولياء، وإنما هو من الأحوال الشيطانية، وأعرف من هؤلاء عددًا، ومنهم من كان يحمل في الهواء إلى مكان بعيد ويعود، ومنهم من كان يؤتى بمال مسروق تسرقه الشياطين وتأتيه به، ومنهم من كانت تدله على السرقات بجُعْل يحصل له من الناس، أو بعطاء يعطونه إذا دلهم على سرقاتهم ونحو ذلك‏.‏

ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية كانوا مناقضين للرسل ـ صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ـ كما يوجد في كلام صاحب ‏[‏الفتوحات المكية‏]‏ و‏[‏الفصوص‏]‏ وأشباه ذلك يمدح الكفار، مثل قوم نوح وهود وفرعون وغيرهم، ويتنقص الأنبياء‏:‏ كنوح وإبراهيم وموسى وهارون، ويذم شيوخ المسلمين المحمودين عند المسلمين‏:‏ كالجنيد بن محمد، وسهل بن عبدالله التستري، ويمدح المذمومين عند المسلمين‏:‏ كالحلاج ونحوه كما ذكره في تجلياته الخيالية الشيطانية، فإن الجنيد ـ قدس الله روحه ـ كان من أئمة الهدى، فسئل عن التوحيد /فقال‏:‏ ‏[‏التوحيد‏]‏ إفراد الحدوث عن القدم‏.‏فبين أن التوحيد أن تميز بين القديم والمحدث، وبين الخالق والمخلوق‏.‏ وصاحب ‏[‏الفصوص‏]‏ أنكر هذا، وقال في مخاطبته الخيالية الشيطانية له‏:‏ يا جنيد، هل يميز بين المحدث والقديم إلا من يكون غيرهما‏؟‏ فخطأ الجنيد في قوله‏:‏ ‏[‏إفراد الحدوث عن القدم‏]‏، لأن قوله هو‏:‏ إن وجود المحدث هو عين وجود القديم، كما قال في فصوصه‏:‏ ‏[‏ومن أسمائه الحسنى ‏[‏العلي‏]‏ على من ‏؟‏ وما ثم إلا هو، وعن ماذا ‏؟‏ وما هو إلا هو، فعلوه لنفسه وهو عين الموجودات، فالمسمى محدثات هي العلية لذاته وليست إلا هو‏]‏ إلى أن قال‏:‏

‏[‏هو عين ما بطن وهو عين ما ظهر، وما ثم من يراه غيره، وما ثم من ينطق عنه سواه، وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من الأسماء المحدثات‏]‏‏.‏

فيقال لهذا الملحد‏:‏ ليس من شرط المميز بين الشيئين بالعلم والقول أن يكون ثالثا غيرهما، فإن كل واحد من الناس يميز بين نفسه وغيره، وليس هو ثالث، فالعبد يعرف أنه عبد ويميز بين نفسه وبين خالقه، والخالق جل جلاله يميز بين نفسه وبين مخلوقاته، ويعلم أنه ربهم وأنهم عباده، كما نطق بذلك القرآن في غير موضع، والاستشهاد بالقرآن عند المؤمنين الذين يقرون به باطنًا وظاهرًا، وأما هؤلاء الملاحدة /فيزعمون ما كان يزعمه التلمساني منه ـ وهو أحدقهم في اتحادهم ـ لماقرئ عليه ‏[‏الفصوص‏]‏ فقيل له‏:‏ القرآن يخالف فصوصكم، فقال‏:‏ القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا، فقيل له‏:‏ فإذا كان الوجود واحدًا فلم كانت الزوجة حلالا والأخت حرامًا‏؟‏ فقال‏:‏ الكل عندنا حلال، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا‏:‏ حرام، فقلنا حرام عليكم‏.‏

وهذا مع كفره العظيم متناقض ظاهر، فإن الوجود إذا كان وحدًا فمن المحجوب ومن الحاجب ‏؟‏ ولهذا قال بعض شيوخهم لمريده‏:‏ من قال لك‏:‏ إن في الكون سوى الله فقد كذب، فقال له مريده‏:‏ فمن هو الذي يكذب ‏؟‏ وقالوا لآخر‏:‏ هذه مظاهر، فقال لهم‏:‏ المظاهر غير الظاهر أم هي ‏؟‏ فإن كانت غيرها فقد قلتم بالنسبة وإن كانت إياها فلا فرق‏.‏

وقد بسطنا الكلام على كشف أسرار هؤلاء في موضع آخر، وبينا حقيقة قول كل واحد منهم، وإن صاحب ‏[‏الفصوص‏]‏ يقول‏:‏ المعدوم شيء، ووجود الحق فاض عليه، فيفرق بين الوجود والثبوت‏.‏ والمعتزلة الذين قالوا‏:‏ المعدوم شيء ثابت في الخارج مع ضلالهم خير منه، فإن أولئك قالوا‏:‏ إن الرب خلق لهذه الأشياء الثابتة في العدم وجودًا ليس هو وجود الرب‏.‏ وهذا زعم أن عين وجود الرب فاض عليه/ فليس عنده وجود مخلوق مباين لوجود الخالق، وصاحبه الصدر القونوي يفرق بين المطلق والمعين؛ لأنه كان أقرب إلى الفلسفة، فلم يقر بأن المعدوم شيء، لكن جعل الحق هو الوجود المطلق، وصنف ‏[‏مفتاح غيب الجمع والوجود‏]‏‏.‏

وهذا القول أدخل في تعطيل الخالق وعدمه، فإن المطلق بشرط الإطلاق ـ وهو الكلي العقلي لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان والمطلق لا بشرط وهو الكلي الطبيعي ـ وإن قيل‏:‏ إنه موجود في الخارج فلا يوجد في الخارج إلا معينًا، وهو جزء من المعين عند من يقول بثبوته في الخارج، فيلزم أن يكون وجود الرب إما منتفيا في الخارج وإما أن يكون جزءًا من وجود المخلوقات، وإما أن يكون عين وجود المخلوقات‏.‏وهل يخلق الجزء الكل أم يخلق الشيء نفسه‏؟‏ أم العدم يخلق الوجود‏؟‏ أو يكون بعض الشيء خالقًا لجميعه‏؟‏‏!‏

وهؤلاء يفرون من لفظ ‏[‏الحلول‏]‏ لأنه يقتضي حالا ومحلا، ومن لفظ ‏[‏الاتحاد‏]‏ لأنه يقتضي شىئين اتحد أحدهما بالآخر، وعندهم الوجود واحد‏.‏ ويقولون‏:‏ النصارى إنما كفروا لما خصصوا المسيح بأنه هو الله، ولو عمموا لما كفروا‏.‏

وكذلك يقولون في عباد الأصنام‏:‏ إنما أخطؤوا لما عبدوا بعض/ المظاهر دون بعض فلو عبدوا الجميع لما أخطؤوا عندهم‏.‏ والعارف المحقق عندهم لا يضره عبادة الأصنام‏.‏

وهذا مع ما فيه من الكفر العظيم ففيه ما يلزمهم دائمًا من التناقض؛ لأنه يقال لهم‏:‏ فمن المخطئ ‏؟‏ لكنهم يقولون ‏:‏ إن الرب هو الموصوف بجميع النقائص التي يوصف بها المخلوق‏.‏ و يقولون‏:‏ إن المخلوقات توصف بجميع الكمالات التي يوصف بها الخالق، ويقولون ما قاله صاحب ‏[‏الفصوص‏]‏‏:‏ ‏[‏فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستوعب به جميع النعوت الوجودية، والنسب العدمية، سواء كانت محمودة عرفًا أو عقلا أو شرعًا، أو مذمومة عرفًا وعقلًا وشرعًا، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة‏]‏‏.‏

وهم مع كفرهم هذا لا يندفع عنهم التناقض، فإنه معلوم بالحس والعقل أن هذا ليس هو ذاك، وهؤلاء يقولون ما كان يقوله التلمساني‏:‏ إنه ثبت عندنا في الكشف ما يناقض صريح العقل‏.‏ ويقولون‏:‏ من أراد التحقيق ـ يعني تحقيقهم ـ فليترك العقل والشرع‏.‏

وقد قلت لمن خاطبته منهم‏:‏ ومعلوم أن كشف الأنبياء أعظم وأتم من كشف غيرهم، وخبرهم أصدق من خبر غيرهم، و الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ يخبرون بما تعجز عقول الناس عن معرفته‏.‏لا بما/ يعرف الناس بعقولهم أنه ممتنع، فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول، ويمتنع أن يكون في أخبار الرسول ما يناقض صريح العقول، ويمتنع أن يتعارض دليلان قطعيان، سواء كانا عقليين أوسمعيين، أو كان أحدهما عقليًا والآخر سمعيًا، فكيف بمن ادعى كشفا يناقض صريح الشرع والعقل‏؟‏‏.‏

وهؤلاء قد لا يتعمدون الكذب، لكن يخيل لهم أشياء تكون في نفوسهم ويظنونها في الخارج، وأشياء يرونها تكون موجودة في الخارج لكن يظنونها من كرامات الصالحين، وتكون من تلبيسات الشياطين‏.‏

وهؤلاء الذين يقولون بالوحدة قد يقدمون الأولياء على الأنبياء، ويذكرون أن النبوة لم تنقطع ، كما يذكر عن ابن سبعين وغيره، ويجعلون المراتب ‏[‏ثلاثة‏]‏ يقولون‏:‏ العبد يشهد أولا طاعة ومعصية، ثم طاعة بلا معصية، ثم لا طاعة ولا معصية، و‏[‏الشهود الأول‏]‏ هو الشهود الصحيح وهو الفرق بين الطاعات والمعاصي، وأما ‏[‏الشهود الثاني‏]‏ فيريدون به شهود القدر كما أن بعض هؤلاء يقول‏:‏ أنا كافر برب يعصى، وهذا يزعم أن المعصية مخالفة الإرادة التي هي المشيئة‏.‏ والخلق كلهم داخلون تحت حكم المشيئة ويقول شاعرهم‏:‏

/أصبحت منفعلا لما تختاره ** مني ففعلي كله طاعات

ومعلوم أن هذا خلاف ما أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه؛ فإن المعصية التي يستحق صاحبها الذم والعقاب مخالفة أمر الله ورسوله كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ‏}‏‏[‏النساء‏:‏ 13، 14‏]‏ وسنذكر الفرق بين الإرادة الكونية والدينية والأمر الكوني والديني‏.‏

وكانت هذه ‏[‏المسألة‏]‏ قد اشتبهت على طائفة من الصوفية فبينها الجنيد ـ رحمه الله ـ لهم، من اتبع الجنيد فيها كان على السداد، ومن خالفه ضل؛ لأنهم تكلموا في أن الأمور كلها بمشيئة الله وقدرته، وفي شهود هذا التوحيد، وهذا يسمونه الجمع الأول، فبين لهم الجنيد أنه لابد من شهود الفرق الثاني، وهو أنه مع شهود كون الأشياء كلها مشتركة في مشيئة الله وقدرته، وخلقه يجب الفرق بين ما يأمر به ويحبه ويرضاه، وبين ما ينهي عنه ويكرهه ويسخطه، ويفرق بين أوليائه وأعدائه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏}‏‏[‏القلم‏:‏ 35، 36‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ‏}‏‏[‏ص‏:‏ 82‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ‏}‏‏[‏الجاثية‏:‏ 21‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ‏}‏‏[‏غافر‏:‏ 58‏]‏‏.‏

ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا رب غيره، وهو مع ذلك أمر بالطاعة، ونهى عن المعصية، وهو لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يأمر بالفحشاء، وإن كانت واقعة بمشيئته فهو لا يحبها ولا يرضاها، بل يبغضها ويذم أهلها ويعاقبهم‏.‏

وأما ‏[‏المرتبة الثالثة‏]‏ ألا يشهد طاعة ولا معصية، فإنه يرى أن الوجود واحد، وعندهم أن هذا غاية التحقيق والولاية لله، وهو في الحقيقة غاية الإلحاد في أسماء الله وآياته، وغاية العداوة لله، فإن صاحب هذا المشهد يتخذ اليهود والنصارى وسائر الكفار أولياء، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ‏}‏‏[‏المائدة‏:‏ 51‏]‏ ولا يتبرأ من الشرك والأوثان فيخرج عن ملة إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ‏}‏‏[‏الممتحنة‏:‏ 4‏]‏ وقال الخليل عليه/ السلام لقومه المشركين‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ‏}‏‏[‏الشعراء‏:‏ 57-77‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ‏}‏‏[‏المجادلة‏:‏ 22‏]‏‏.‏ وهؤلاء قد صنف بعضهم كتبا وقصائد على مذهبه مثل قصيدة ابن الفارض المسماة بـ ‏[‏نظم السلوك‏]‏ يقول فيها‏:‏

لـهــا صـــلاتي بالمقــــام أقيمهــــا ** وأشهـــد فيهـا أنها لي صلــــت

كلانــا مصــلٍّ واحــد سـاجـد إلـى ** حقيقته بالجمع في كل سجــــدة

وما كان لي صلى سـوائي ولـم تكن ** صـلاتي لغيـري في أدا كـل ركعة

إلى أن قال‏:‏

وما زلت إياها وإياي لم تــــزل ** ولا فرق بل ذاتي لـذاتي أحبت

إلىّ رسولا كنت مني مرســـــلا ** وذاتي بآياتي علىّ استدلـــــت

فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن ** منادي أجابت من دعاني ولبت

إلى أمثال هذا الكلام، ولهذا كان هذا القائل عند الموت ينشد ويقول‏:‏

/إن كان منزلتي في الحب عندكم ** ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي

أمنية ظفرت نفسي بها زمـــــنا ** واليوم أحسبها أضغاث أحلام

فإنه كان يظن أنه هو الله، فلما حضرت ملائكة الله لقبض روحه تبين له بطلان ما كان يظنه، وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏‏[‏الحديد‏:‏ 1‏]‏ فجميع ما في السموات والأرض يسبح لله، ليس هو الله، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 2، 3‏]‏‏.‏

وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه‏:‏ ‏(‏اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين، وأغنني من الفقر‏)‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 4‏]‏ /فذكر أن السموات والأرض ـ وفي موضع آخر ـ ‏{‏وَمَا بَيْنَهُمَا‏} ‏مخلوق مسبح له، وأخبر سبحانه أنه يعلم كل شيء‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ مَعَكُمْ‏}‏ فلفظ ‏[‏مع‏]‏ لا تقتضي في لغة العرب أن يكون أحد الشيئين مختلطا بالآخر كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 119‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 29‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـئِكَ مِنكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 75‏]‏‏.‏

ولفظ ‏[‏مع‏]‏ جاءت في القرآن عامة وخاصة، فـ ‏[‏العامة‏]‏ في هذه الآية وفي آية المجادلة‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 7‏]‏، فافتتح الكلام بالعلم وختمه بالعلم، ولهذا قال ابن عباس والضحاك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل‏:‏ هو معهم بعلمه‏.‏

وأما ‏[‏المعية الخاصة‏]‏ ففي قوله تعالى‏:‏

{‏إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 128‏]‏، وقوله تعالى لموسى‏:‏ ‏{‏إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى‏}‏ ‏[‏طه ‏:‏ 46‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 40‏]‏، يعني النبي / صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ـ رضي الله عنه ـ فهو مع موسى وهارون دون فرعون، ومع محمد وصاحبه دون أبي جهل وغيره من أعدائه ومع الذين اتقوا والذين هم محسنون دون الظالمين المعتدين‏.‏

فلو كان معنى‏:‏ ‏[‏المعية‏]‏ أنه بذاته في كل مكان تناقض الخبر الخاص والخبر العام، بل المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 84‏]‏ أي‏:‏ هو إله من في السموات وإله من في الأرض، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 27‏]‏، وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ‏}‏ ‏[‏الأنعام ‏:‏ 3‏]‏ كما فسره أئمة العلم كالإمام أحمد وغيره‏:‏ أنه المعبود في السموات والأرض‏.‏

وأجمع سلف الأمة وأئمتها على أن الرب تعالى بائن من مخلوقاته، يوصف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، يوصف بصفات الكمال دون صفات النقص، ويعلم أنه ليس كمثله شيء في صفات الكمال، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ‏}‏ ‏[‏سورة الإخلاص‏]‏‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏[‏الصمد‏]‏‏:‏ العليم الذي كمل في علمه، العظيم الذي كمل في عظمته، القدير الكامل في قدرته، الحكيم الكامل في حكمته، السيد الكامل في سؤدده‏.‏

/وقال ابن مسعود وغيره‏:‏ هو الذي لا جوف له‏.‏ و‏[‏الأحد‏]‏‏:‏ الذي لا نظير له، فاسمه ‏[‏الصمد‏]‏ يتضمن اتصافه بصفات الكمال ونفي النقائص عنه، واسمه ‏[‏الأحد‏]‏ يتضمن اتصافه أنه لا مثل له، وقد بسطنا الكلام على ذلك في تفسير هذه السورة وفي كونها تعدل ثلث القرآن‏.‏